إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
35
زهر الآداب وثمر الألباب
الإمتاع ، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع « 1 » ؛ إذ كان الخروج من جدّ إلى هزل ، ومن حزن إلى سهل « 2 » أنفى للكلل « 3 » ، وأبعد من الملل ؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم [ هو أبو العتاهية ] « 4 » : لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة إلا التنقّل من حال إلى حال « 5 » وكان السبب الذي دعاني إلى تأليفه ، وندبنى إلى تصنيفه ، ما رأيته من رغبة أبى الفضل العباس بن سليمان - أطال اللَّه مدّته ، وأدام نعمته ! - في الأدب « 6 » ، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب ؛ وأن اجتهاده في ذلك حمله على أن ارتحل إلى المشرق بسببها ، وأغمض في طلبها « 7 » ، باذلا في ذلك ماله ، مستعذبا فيه تعبه ، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره ، وفصحاء دهره ، طرائف طريفة ، وغرائب غريبة ، وسألني أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها ، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قار به وقارنه ، وشابهه وماثله ؛ فسارعت إلى مراده ، وأعنته على اجتهاده ، وألَّفت له هذا الكتاب ، ليستغنى به عن جميع كتب الآداب ؛ إذ كان موشّحا من بدائع البديع « 8 » ، ولآلىء الميكالى ، وشهىّ الخوارزمي ، وغرائب الصاحب ، ونفيس قابوس ، وشذور أبى منصور « 9 » بكلام يمتزج بأجزاء النفس لطافة ، وبالهواء رقة ، وبالماء عذوبة .
--> « 1 » يونق : يعجب « 2 » الحزن : ما غلظ من الأرض ، ويقابله السهل « 3 » الكلل : الإعياء ، ومثله الكلال « 4 » ديوان أبى العتاهية 223 ، وفيه « لن يصلح النفس إذ كانت مدبرة » وفي نسخة « إن كانت مصرفة » ( م ) « 5 » مدابرة : ذات سأم وملال ، والمدابرة في الأصل : الهزيمة « 6 » في الأدب : متعلق بكلمة رغبة « 7 » أغمض وغمض : ذهب ، وغمض السيف في اللحم : غاب « 8 » موشح : مرصع « 9 » البديع والميكالى والخوارزمي والصاحب وقابوس وأبو منصور : كل هؤلاء أعلام سيورد المؤلف طرفا من مظومهم ومنثورهم ، وهم من رجال القرن الرابع ، وسنذكر تراجمهم حين يعود المؤلف إلى الحديث عن آثارهم الأدبية